البخاري

تصدير 20

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

واستعداد يؤهله للإفادة منها والظهور فيها ، ومواهبه التي اختصرت له زمان الكتّاب قد أسعفته ومكنته من الإفادة والظهور . فما هو إلا زمن يسير حتّى لمع نجمه ، ولفت الأنظار إليه ، واستطاع - بفطنته ويقظته وتفتّح ذهنه وشجاعة قلبه - أن يتعقب الشيوخ من أول عهده بمجالسهم ، وأن يراجعهم في سقطات الوهم وأخطائه ، ويصحح ما قد يندّ على انتباههم وانتباه تلاميذهم من هذه الأخطاء . قال الفربري : سمعت محمّد بن أبي حاتم ورّاق البخارىّ يقول : سمعت البخاري يقول : « ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب ، قلت : وكم أتى عليك إذ ذاك ؟ . فقال : عشر سنين أو أقل ، ثمّ خرجت من الكتاب ، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره ، فقال يوما فيما كان يقرأ على الناس : « . . سفيان ، عن أبي الزبير ، عن إبراهيم . . » فقلت : إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم ، فانتهرنى ، فقلت له : ارجع إلى الأصل إن كان عندك ، فدخل ، فنظر فيه ، ثمّ رجع ، فقال : كيف هو يا غلام ؟ . فقلت : هو الزّبير - وهو ابن عدي - عن إبراهيم ، فأخذ القلم ، وأصلح كتابه . وقال لي : صدقت . قال : فقال له إنسان : ابن كم حين رددت عليه ؟ . فقال : ابن إحدى عشرة سنة ( هدى الساري 2 - 193 ) . لقد كان هذا الابتداء بشير خير للبخاري في وسطه الجديد ، ولا شك أن انتصاره في محاورة الداخلي قد زاده ثقة في نفسه ، واطمئنانا لمستقبله ، ثمّ لا شك أنّه قد زاده إخلاصا في العمل ، وإقبالا على الطلب ، فأصفاه كلّ وقته ، وكلّ جهده ، فكان لا يكتفى بأن يختلف كل يوم إلى مجالس الدرس ، ولا يقنع بالتلمذة لمن يلتقى بهم من شيوخها ،